الحارث المحاسبي

252

الرعاية لحقوق الله

باب وصف الحذر من العدو إبليس قلت : كيف الحذر منه ؟ أهو انتظار وتوقع متى يعرض ؟ أم نحذر بغير انتظار له ؟ قال : وقد اختلفت هذه الفرقة التي دانت بحذره اتباعا لأمر اللّه عزّ وجلّ ، فاختلفت هذه الفرقة إلى ثلاث فرق ، كلها غالطة إلا فرقة . فقالت فرقة منهم : إذا أمرنا اللّه عزّ وجل بمجاهدة من لا نراه وخوّفنا منه ، وأعلمنا أن في ظفره بنا الهلكة ، ولا يكون في قلوبنا شئ أغلب عليها ولا ألزم لها من حذره ، فننتظر متى يعرض بفتنته ، لأن الاشتغال عنه يورث النسيان ، والنسيان يورث قبول خطراته بغير معرفة ، وذلك يؤدّي إلى الهلكة ، فرأت أن تكون قلوبها منتظرة للشيطان ، متوقعة متى تخطر بخطرة فينظروا فيها ؛ كراهة أن يخطر على غفلة فيقبلوها فيهلكوا وهم لا يشعرون . وقالت فرقة : ذلك غلط ، لاشتغالها بانتظار الشيطان ولم نؤمر بذلك ، وذلك إرادة الشيطان منا أن نخلي قلوبنا من ذكر اللّه عزّ وجلّ ، وذكر الآخرة ، ونعمرها بذكره وارتقاب خطراته ، ولكن نلزم قلوبنا ذكر الآخرة وذكر ما يعرض ، فلا نكون قد تعطلنا من ذكر الآخرة ، ولا نكون ناسين لمن أمرنا بحذره ، كراهة أن يأتي على غفلة فيفسد ما نحن فيه من الذكر ، فكان ذكر اللّه عزّ وجلّ وذكر وساوس الشيطان في قلوبهم متعارضين ، كلما ذكروا شيئا من ذكر الآخرة ذكروا العدو ؛ شفقا أن يخطر بفتنته فيزيل قلوبهم عن ذكر اللّه عزّ وجلّ ، أو